معالجة التسويف بالفاتحة
كيف يعلمنا القرآن الكريم حقيقة التسويف، وما هي بضاعة الشيطان التي يشتريها المسوّف
فَانْتَبِهْ مِنْ رَقْدَةِ الغَفْلَةِ فَالْعُمْرُ قَلِيلْ
وَاطَّرِحْ (سَوْفَ) وَ(حَتَّى) فَهُمَا دَاءٌ دَخِيلْ
اقترح عليك تجربة اجتماعية وأن تجول في الطرقات، وتقابل أي شاب أمامك وتسأله “ما أكثر ما تشكو منه؟” سيقول بعد ألم الظهر، تسويفه وتأخيره للأشياء. وهذا العصر الذي تميّز بالسرعة والحصول على الرغبات بشكل سريع، كأن تطلب وجبة غداء شهية بضغطة زر من أحد التطبيقات، دفعَ الشباب نحو استصعاب أي أمر يقتضي مجاهدة وصبر، وتكريس وقت ومثابرة وهذه مصيبة، وقد حذَر القرآن الكريم من ذلك أشد الحذر، وهذا أيضا فرصة ذهبية للشيطان ومائدة شهية يستدرج من خلالها العبد رويدا رويدا إلى أن يوقعه في النّار، ويصبح هذا المسوّف زبونه المفضّل في البضاعة التي يبيعها. لنتدارس في هذا المقال كل هذه الجوانب، ونتعلم كيف نستعمل القرآن في هذه الاشكاليات. ما هو التسويف باديَ الأمر؟
تأخير ومماطلة
“سوف” حرف يدخل على الفعل المضارع، فيخصصه للاستقبال ودلالته التأخير، والتسويف لغةً هو مصدر من فعل يسوف وهو التأخير والمماطلة، وأيضا يأتي من فعل سوّف ويعني التهويل، يقال: سوَّف الأمر تسويفاً معنى هوله وضخم من شأنه، ومنه قوله تعالى: {لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون}
التسويف إصطلاحاً هو التأخير المتعمّد لبعض المهام والمماطلة فيها من غير مبرّر مع القدرة على أدائها وأيضا يصاحب التسويف انخفاض مستوى آداء العمل، ومع الوقت يتخلّق هذا الفعل كعادة تكون من صفة الشخص وسماته ويصبح الانسان كما يقال عند العرب: يقتات السّوف ويعيش على الأماني.
أسباب التسويف
التسويف لا يُخاطب بخطاب واحد، لأنّ دواعي التسويف لدى الناس مختلفة ومتنوعة. فالموضوع نسبي ويختلف على حسب نفسية الشخص، وبيئته وأحواله. ولكن هنا كلام جامع نستشفّه من القرآن الكريم، وكما ذكرت كثيراً القرآن هو الذّكر الذي تنجو الانسانية به من كل سوء، سواء كان في ذات النّفس، أو الأسرة أو المجتمع. وفي هذا المقال ثلاثة أسباب تعدّ الأكبر.
1. طول الأمل
سأشرح لك طول الأمل بطريقة مختلفة لعلّها ترسخ في ذهنك وتزِد من إقبالك على القرآن، دعنا نصغي بقلوبنا، ونلقي أسماعِنا إلى هذه الآية الكريمة، هذه قصة بائع ومشتري:
(كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)
دعنا نفصّل الآية برويّة، ونقسّمها على ثلاثة نقاط، عدّل جلستك، وتمتّع معي ببديع القرآن:
بين الموت والدنيا:
بدأت الآية بذكر الموت وانتهت بذكر الدنيا، فكما أنّهما على طرفي الآية، فإنّهما طرفان متنازعان، فإنّ ذكر الموت والتعلّق بالدنيا لا يجتمعان في قلب رجل واحد. والموت تفزع القلوب منه لكن حقيقته انّه ولادة جديدة فإنّه مرحلة انتقالية نحو الحياة الحقيقة، ولو كنت مؤمناً فإنّ الموت هو هدية لك، لأنّك مقبل على نعيم ولقاء الله الغفور الودود. والدنيا على غرار ذلك لا تعدك بشيء، بل أنّها تعب ونصب على كل النّاس الغني منهم والفقير، لا أحد سعيد في هذه الدنيا. وقد ذكرَ أبو الحسن البيهقي في خاتمة كتابه تاريخ بيهق عشرة عيوب للدنيا، وأذكر أحدها:
العيب الثاني: ليس للدنيا وفاء، ولا تتوافق مع أحد، لا الرفيع ولا الوضيع، ولا القرشي ولا الحبشي. فيوماً عند عطّار، ويوماً عند بيطار.
وقد قيل عن كون الموت ولادة جديدة:
يا أيها الانسان كنت جنينا في الرحم لتكتمل هيئتك الخلقية وأنت الآن جنين كي تكتمل هيئتك الخُلُقية
لكن على الرغم من ذلك الكل مشتغل بالدنيا ويجعل تقويم دينه وخُلُقه آخر تفكيره، ما السبب؟ هل خربت عقولنا؟ سنعرف بعد قليل.
جمع صحيفة الأعمال:
نحن هنا نجمع في الحسنات والأعمال الفاضلة، لكي نأخذ عليها الأجر يوم القيامة، نجمعها لكي نجدها في الصحيفة يوم القيامة وبها نرجو رحمة الله تعالى. وقد مرّ على ذهني فيديو شاهدته منذ فترة طويلة وكان عبارة عن تحدّي في محلّ تجاري كبير؛ يتم تحديد وقت معيّن لك، وعليك أن تجمع أكثر ما تستطيع من المحل التّجاري وإن استطعت أن تضعها كلها عند المحاسب قبل انتهاء الوقت، فسوف تأخذها كلّها مجّانا. ضربتٌ لك المثل وأنت فكّر فيه لوحدك. أيعقل أن تأتي يوم القيامة مفلساً؟ أنّى لك الأجر؟
الزّحزحة:
الزحزحة نجد فيها تكرار حرفي “زح” وهذا التكرار يفيد الاضطراب. (فمن زحزح عن النّار) تعني وكأنّّك كنت في حالة اضطراب وعلى وشك السقوط فيها، ولكنّك نجوت، وهذا هو الفوز العظيم. صحيح أنّ دخول الجنة هو غايتنا، لكن هذا فوز كبير آخر تناله مقابل الفوز المبين وهو النّجاة من النّار. فأنت في البداية تنجو من النّار ومن ثمّ تنال نعيم الجنّة، وقد وعدَ الله أنّ جميع الخلق سيمرّون على جهنم، عبوراً على الصراط ومن سقطَ فمن نفسه، ومن نجا فقد فاز. قال تعالى عن المرور بجهنّم:
(وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا)
البائع والمشتري:
ذكر الموت يحفّز النفس نحو العمل، ويخرجها عن هذيانها ويذكّرها بقِصَر الدنيا وفنائها، ويحركّها للانجاز، ولكن المشكلة تكون مع الشيطان لعائن الله عليه تترا. وحيلة هذا الخبيث أن يزيّن لك الدّنيا، ويعرضها لك وكأنّها هي الجنّة، فقد قال تعالى (وما الحياة الدّنيا إلّا متاع الغرور) المتاع هي البضاعة، والغرور هو الشيطان. فقد شبه الله تعالى الدنيا بالبضاعة وشبّه ابليس بالبائع لهذه البضاعة، والمشتري هو الانسان، وقد دلّس البائع على المشتري وزيّن له البضاعة على غير حقيقتها، وغشّه فيها، والذي يسارع في الشراء ويسهل خداعه هو دائما يكون ذو الأمل طويل.
وقد زيّل الإمام البخاري هذه الآية في كتابه عند باب “في الأمل وطوله”.
طول الأمل هو الحرص على الدّنيا مع الاستغناء عن الآخرة، فينتج عن ذلك نسيان الموت، وينتج عن ذلك نسيان الحساب، وينتج عن ذلك الهشاشة في الدّين، وينتج عن ذلك ضعف الهمّة، وينتج عن ذلك التأخير والمماطلة في كل الأعمال حتى الدنيوي منها. لأنّ أملَكَ طويل وجهدك قليل وتظنّ أنّك ستعيش لغد، مع أنّك لم تطّلع على الغيب ولم تتخذ عند الرحمن عهداً أن تموت متى شئت.
ولقد أسهبت في هذه الجزئية لأنّه طول الأمل هو رأس كل الشرور، ومصيدة الشيطان فقد بيّن لنا سبحانه وبحمده استراتيجية الشيطان في خداع العبد:
(وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ )
2. الكسل
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعًا، وإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا)
الكسل هو التباطؤ في فعل ما عليك القيام به، وبشكل أعمق هو نوع من التغافل وقلّة الاكتراث. قال منّاوي:
الكسل: التّغافل عمّا لا ينبغي التّغافل عنه.
وهناك فائدة لطيفة وهي أنّه عادة الشخص يكون كسولاً لأنّه يدّعي أنّه تعبان ويريد أن يرتاح، والناتج بعد ذلك هو العكس والدخول في غم وقلق. وحقيقة الأمر أنّه إذا شعرت بالتّعب وعليك فعل شيء مهم قُم من فورك واندفع نحو ذلك الشيء المهم، والناتج سيكون أنّ التّعب زال تماماً وأصبحت مقبلاً على العمل، لأنّه حقيقة الأمر هو شيء نفسي، وخدعة من العقل لجرّك نحو التقاعس. وقد قيل:
إذا أردت ألّا تتعب، فاتعب لئلّا تتعب
والكسل يجري جريان العادة، والنّفس تسير على حسب العادة، لذلك إذا عوّدت نفسك على الخير والعمل، ستجد نفسك مندفعة كالريح بهمّة ونشاط، قال أبو ذؤيب الهذلي:
وَالنَفسُ راغِبِةٌ إِذا رَغَّبتَها * فَإِذا تُرَدُّ إِلى قَليلٍ تَقنَعُ
3. القنوط
اليأس والقنوط دائماً من الشيطان، ويقترن معهما الخوف. فيكون الانسان خائفاً من القيام بأعماله، ومهوّلاً ومضخمّاً للموضوع فوق صورته الحقيقية حتّى يصل إلى درجة ترك العمل.
ومن اللطيف ذكره أنّه في علم النفس توجد ظاهرة تُدعى: “متلازمة العودة للسرير”. وهي باختصار تحدث عندما يضّخم العقل موضوع أو مهمّة معيّنة، ويشعر بالخوف والقلق منه فيحدث للجسم خمول وتقاعس يجعله يركض نحو السرير. وهذا شيء شائع بين النّاس ، هل أنت الآن تقرأ المقال من السرير؟
سبعة عشر مرّة
فاتحة الكتاب هي أعظم سورة في القرآن، وأسراها كبيرة وكثيرة، وهي أكثر سورة كتب عنها المفسّرون، وتدارسها العلماء ومن أشهرهم ابن القيّم في كاتبه مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين.
نحن على الأقل نقرأ الفاتحة كل يوم 17 مرّة، والفاتحة هي شفاء وعلاج ناجع لكلّ شيء. وهذا ينطبق على القرآن كلّه.
كيف نعالج التسويف بالفاتحة، اقرأ معي خطوة خطوة وفي كل مرة تقرأ الفاتحة في الصلاة تذكّر هذه المعاني وتدرّب على أن يشربها قلبك:
(ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ)
الأمر بين يدي ربّ العالمين، والتوفيق والطاقة على العمل والقوت يأتي منه هو، بل إنّ من أسمائه سبحانه المُقيت الذي يعطي قوت كلّ شي.
الحمد على نعمة الحمد
الحمد على أنّه خلقَك من العدم، ومن خلقك من العدم لن يتركك في منتصف الطريق.
(ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ)
حسن الظنّ بالله تعالى، وأنّه أرحم لك من والديك.
أنّه كان بالمؤمنين رحيماً ولا يضيع أعمالهم ولا يجعلها تذهب سدى.
(مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ)
الدنيا قصيرة والموت ضيف يأتي من غير موعد، فعليك إتمام ما أنت عليه أو ما يجب عليك، لأنّ الله سيسألك عنه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم:
لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه؟ وعن علمه فيم فعل فيه؟ وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه؟
القعود وعدم العمل، يعني فوات الأجر يوم القيامة، فحتّى العمل الدنيوي لو جعلت فيه النيّة لله، يكون لك الأجر غير منقوص.
(إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ)
العمل بالنيّة الصحيحة هو عبادة مهما كان، والمؤمن الحقيقي يكون في حال تقلّب من عبادة إلى عبادة، ويكون ذكيا أيذا، فحتّى لو أراد أن يرفع حجراً جعل فيها نيّة لله.
الذي يستعين بالله القوي كيف يكون ضعيف؟ الذي يستعين بالعزيز كيف يكون ذليل؟ الذي يستعين بالرزاق كيف يرى فقره بين عينيه؟
العزم والمبادرة يبدأ من القلب بذكر الله، وهذا حل ممتاز كان يفعله السلف دائما.
فعندما سئل ابن تيمية عن كثرة ذكره لله إلى انتصاف النّهار قال: “هذه غَدْوتي، ولو لم أتغَدَّ الغَداءَ، سقَطَتْ قُوَّتي”
(ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ)
الاستعانة بالله أن يهديك لِما فيه الخير والنّفع لك، ولا يكون وقتك ضائعاً فيه.
التشتت من البواعث القوية للتسويف، فيجب ترتيب أولوياتك وتبسيطها. وتحديد رؤية لك.
(صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ)
كثرة القراءة عن السلف الذين أنعم الله عليهم يزيد ويشحن من الإيمان والهمّة والقوة. ومن أشهر الكتب وأمتعها سير أعلام النبلاء
الأمور العالية والشريفة الوصول إليها ليس يسير، وعلى قدر المشقّة على قدر الجائزة، والنّفوس العالية هي دائما الفائزة. فاصبر وكن منهم.
قبل أن تعود للسرير مجدداً شاركنا آرائك حول أثر المقال في فكرتك عن التسويف، وما الذي تود أن نتحدث عنه في المقالات القادمة. :)




مقال رائع وانتقالاته سلسلة واستدلالاته غنية، جزيت خير الجزاء
مقال غنّي، علمي و عملي جزاك الله خيراً