كيف أصابتنا خيوط العنكبوت بالتعب
التعامل مع الضغوط النفسية وإدارتها على نهج سورة العنكبوت
مقدمة مهمّة: روح الرّوح
(وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ)
أصبح غريباً نوعاً ما على الشخص أن يجد مقالة مثل هذه أو غيرها تتناول أمر نفسي كالتعامل مع الضغوط النفسية ولكن من القرآن ونهجه وإرشاده، لأنّه يطرأ في باله تلك الكتب، وتلك المصطلحات الانجليزية البهلوانية التي تشعِره أنّ ذلك العالِم النفسي الغربي يعلم ما يقول. وفي نفس الوقت على الرغم من هذه القناعة يطرأ شعور داخلي لا إرادي من التوْق والفضول، ونوع من الانشراح والشوْق لمعرفة كيف للقرآن أن يعالج قضية نفسية، وخيط راحة رقيق يمر مرّ السحاب على القلب، وهذا من أثر الفطرة السوية المزروعة في قلب كل شخص منّا، لأنّ هذا القرآن هو روح روحك، ومسكن قلبك الأصلي، ومهما مدّ المرء في غفلته ونسيَ تلك الفطرة تظل متشوقة لكي تتعرّض للقرآن، إلّا الذي طبع الله على قلبه فجعله ميّتاً أو الذي رانت الذنوب على قلبه فأصبح أسودا مجخيّا لا ينكرا منكرا ولا يعرف معروفا - نسأل الله العافية -.
لا ننكر فائدة بعض العلوم الانسانية بالذات السريري منها ولكن القرآن هو البنيان الأساسي، وهو الحق الذي لا يأتيه الباطل من يديه ولا من خلفه تنزيلٌ من حكيم حميد.
والآن لنغرِف بعض الحقائق والدروس من سورة العنكبوت في التعامل مع الضغوط النفسية. لكن أولا ما حقيقة الضغط النفسي؟
الأصول التعريفية
يجب علينا يا صاحبي أن نعي أصول الأمور وحقائقها لكي ننطلق تلقاء ما هو صائب، وعندما تفهم الأساسيات يصبح عليك يسيرا بحول الله أن تعالج الإشكاليات الناتجة والمعقّدة. ومن ذلك الضغط النفسي، فهو من أكثر الأمور المفهومة بشكل خاطئ وبل مناقض تماما، وهذه النظرة المعوّجة، أدّت إلى زيادة العبث في التعامل مع ضغوطنا النفسية خلال حياتنا. فما حقيقة الضغط النفسي؟
لقد فصّلت الأمر في هذا المقال ولكن لنعيد صياغة الأمر بشكل مختصر لأنّي لا أحب أتعبك، أو بالأحرى أعلم الانحياز العقلي نحو اختيار ما هو أيسر فإنّ طبيعة العقل الكسل ولن تضغط على الرابط، فخذ تعريف ملخص عن الضغط النفسي.
الضغط النفسي هو جهاز وظيفي وليس مرض أو مشكلة. إنّ الخوض في الحياة الدنيا من تكاليف شرعية ومساعي دنيوية يوجب التعرض لمواقف أو أحداث تحتاج منك أن تكون على هيئة ذهنية، وعقلية، وجسمية معيّنة لكي تظفر بما تريد من خير ومصلحة. وهذه التهيئة مسؤول منها جهاز الضغط النفسي؛ فهو باختصار طريقة العقل والجسم في تحريك وتوظيف الطاقة فيما يخدم مصالحه في دفع الضر وجلب فائدة.
فالضغط النفسي بحد ذاته هو مهم غاية الأهمية، ولكن الفكرة السلبية المعهودة لدينا تكون ناتج عن سوء استعمال لهذا الجهاز، وهذا هو الغرض من سلسلة المقالات هذه؛ وهو أن نتعلم التعامل مع الضغط النفسي بنهج قرآني.
المقال الأول كان عن الضغط النفسي اللحظي، أمّا هذا المقال سيكون عن الضغط النفسي المتوسط (تفصيل أنواع الضغوط موجود في المقال الأول).
الضغط المتوسط الصحي = المجاهدة
الضغط النفسي المتوسط هو الذي يستمر لفترة من الزمن ويكون من أجل غرض وسبب معيّن وله نهاية، إذ أنّه في هذه الحالة يدخل الانسان في مهمة طويلة الزّمن وتتطلب منه طاقة ومجهودي عقلي وجسدي، فالضغط النفسي في طبيعة حالِه مكلّف على الجسم ويسحب منه الكثير من الطاقة. لأنّه يحوّل حالة الجسم إلى التأهب ويزيد من نشاط الدورة الدموية والاستهلاك الفكري، لذلك من البديهي أن يحتاج "بنزين" يعينه على الاستمرارية. ونقول عليه “متوسط” اعتمادا على المدة الزمنية التي تنتهي مع انتهاء الغرض أو الوصول للهدف.
وما دام الشخص مثابر في مهمّته ويسعى فيها ويقوم بالحركة، فهذا الضغط يعتبر صحي للغاية وفي غاية النفع، بل في الحقيقة هو أنفع وأفضل طريقة لتطوير الانسان ذهنيا وجسديا، لأنّه يدخل تحت مظلة "المجاهدة" بل في الحقيقة هو المجاهدة بعينها، وهي في ديننا الحنيف القدم الذي يقوم عليه العبد، ومصيدة الغنائم، وسهم الفوز بالمحاسن، وسلّم التسلق إلى المعالي.
على هدْي سورة العنكبوت
سورة العنكبوت هي السورة القبل الأخيرة في العهد المكّي من ناحية ترتيب النزول، وقد نزلت في وقت صعب على المؤمنين، وكانوا في غاية الاستضعاف والترويع من كفار قريش، فأتت هذه السورة تثبيتاً لهم، وبيان حال الدنيا، وأمرهم بمجاهدة أنفسهم بالصبر والتوكل ومجاهدة الكفار بالكلمة. والبديع في هذه السورة أنّ الله ضرب مثَلاً في موضع واحد في السورة كلّها، وأيضا تميّزت بالحبكة الباهرة، والتناقل بين القصص والتنقّل بين الماضي والحاضر بسلاسة إعجازية.
خلال تلك الفترة المكيّة احتاج المؤمنون إرشاداً إلهيا ودعماً ربّانيا لمجابهة هذه الضغوط النفسية والثّبات على مهمّتهم، فأتت هذه السّورة وسنتعلّم منها على شكل نقاط كيفية التعامل مع الضغط النفسي المتوسط (المجاهدة) وكيف نقوم به على الوجه الصائب. عدّل جلستك، حضّر كوب من مشروب ساخن، اصغ بقلبك، وركز بعقلك.
1. التصور الذهني الصحيح للدنيا:
(الٓمٓ (1) أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ (2) وَلَقَدۡ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡكَٰذِبِينَ)
عندما تريد أن تدير الضغط النفسي المتوسّط بشكل جيّد بحيث لا يكون مضِر عليك ويصبح مجاهدة فعّالة وليس قلق وركود واكتئاب فأنت تحتاج إلى شيئين:
معرفة الغرض ممّا تفعله.
التصوّر الذهني الصحيح حيال ما تفعله.
المجاهدة تحتاج مثابرة ومصابرة ودخول حالة متكررة من الفشل والنهوض مجدّدا إلى أن تظفر وتنجح في مهمّتك، ولذلك بدأ الله عز وجل ببيان الغرض من المجاهدة وبتعديل التصوّر الذهني للمؤمنين بحيث أنّه سبحانه وتعالى بيّن أنّ هذا الدنيا لم تكن لشيء سواء للابتلاء، ولا يملأها شيء إلّا الفتن. فإنّ سلعة الله غالية - الجنّة - ولا يدخلها إلّا صادِق، والقول سهل أي شخص يستطيع أن يقول أي شيء، وبل في الحقيقة البطّالون والمنافقون أكثر الناس تقوّلاً وإدّعاءاً واستشرافاً، لذلك وجَبَ أن يتعرض الناس للفتن، لتمييز المؤمن من غيره، ولفرز الدرجات في الجنّة وتحديد المراكز.
فلولا هذه الابتلاءات والفتن لكان المنافقون أول الناس دخولا للجنة، وأعلاهم درجة وأكثرهم بزَخاً، لأنّ الصادق لا يتحدث كثيرا بل يعمل. فحقيقة الأمر أنّه رحمة من الله عز وجل، وهو الرحمن الرحيم. ولدينا مثل سوداني يقول “السّواي ما حدّاث”، أي أنّ الذي يعمل لا يتكلم كثيرا.
وعدّد الله أنواع الفتن خلال سورة المباركة وكانت:
فتنة الوالدين، فتنة الناس، فتنة الشهوة، فتنة العلم، فتنة القوة، فتنة الحياة الدنيا، فتنة الأمن والأمان.
لا تخلو ضغوط المرء من هذه الفتن، وهي متشابكة ومتقاطعة ومتداخلة في بعضها، لأنّ الدنيا ليست كألعاب الفيديو مقسّمة إلى مراحل وكل مرحلة لها مسمّى ومستوى صعوبة معيّن، بل الدنيا متشابكة وكل الفتن تناهل عليك. لذلك ضرَب الله مثل بيت العنكبوت الذي يكون متشابكاً ومتداخلاً وسنفصّل هذا الأمر بعد حين.
2. المجاهدة هي نفْع لنفسك:
(وَمَن جَٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَٰهِدُ لِنَفۡسِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ)
الضغط النفسي المتوسط عندما يكون مجاهدةًَ فهو الأنفع للإنسان، فأنت في حالة تعلّم واكتساب خبرة وتجربة متكرّرة بل حتى من ناحية عضوية الموضوع نافع جداً لك. في علم الأعصاب نجد جهاز يسمّى الحصين في منتصف الدماغ وهو مسؤول من التعلّم وتجديد الخلايا العصبية ووصلاتها وربطاتها، ولقد تم اثبات علاقة مباشرة ووثيقة بين المجاهدة ونشاط هذا الجهاز.
فبيّن الله تعالى ربُ العالمين الذي هو آخذٌ بناصيتنا وهو على كلّ شيء حفيظ أنّه غنيُ عنّا لا ينقص من ملكه شيء، له ما في السماوات وما في الأرض، وإن يشأ يذهبنا ويأت بآخرين وكان على ذلك قديراً. فهذه المجاهدة في ابتغاء مرضات الله، والصبر على الفتن، وتزكية النّفس والسعي في الدنيا هو من أجل الإنسان، لأنّ الجزاء جنّة عرضها كعرض السماوات والأرض أعدّت للمتقين، ولأنّه له نفع نفسي وجسدي كما ذكرت قبل قليل.
3. الصبر والتوكّل:
قصص الأنبياء في السورة
(ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ)
لعلّ الانسان حينما يتلو السورة قد يشعر قليلاً بثقل المسؤولية التي عليه، ولكنّه سبحانه وبحمده يذكر لنا قصص الأنبياء، وكيف أن نوحاً جاهد 950 سنة وكيف أنّ ابراهيم واجه قومه أشد الواجهة إلى أن أرادوا حرقة في النّار، ولوطاً إذ دعا قومه ونهاههم عن الفاحشة، وشعيباً إذ نها قومه عن الفساد في الأرض. فأنجا الله تعالى كلّا منهم وكانوا هم الأعلون، والحكم والعاقبة لله وحده، وعلى الرغم من ثقل مسؤولية الأنبياء صلوات ربّي وسلامه عليهم إلّا أنّهم صبروا وتوكلوا وأحسنوا في العمل بالمجاهدة، فتولّاهم الله تعالى.
4. توحيد الله عز وجل:
(مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلۡعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتۡ بَيۡتٗاۖ وَإِنَّ أَوۡهَنَ ٱلۡبُيُوتِ لَبَيۡتُ ٱلۡعَنكَبُوتِۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ)
اتخاذ ولي من غير الله والطمع في مرضات غير الله والخوف من غضب غير الله، واستحسان الناس من دون الله وخشية الناس من دون الله، كمَن اتخذ بيتا في غاية الهشاشة وأقل نفحة من الفتن والبلاء تؤدي إلى سقوطه وتبعثره. بل إنّ الأمر أدق من ذلك، فكل فعل تفعله أو مشروع تبدأ فيه ونيّتك لغير الله فإنّ البركة تمحق منه، ويكلك الله لنفسك، وعلى العكس إذا جعلت كل أمر خالصاً لله فإنّ الله يطرح البركة والتوفيق، ويمدّك بالقوت ويجعلك بنيانك متماسكا أمام كل الفتن، ويجعل مجاهدتك مباركة ومنصورة وميسّرة.
وفتن الدنيا التي ترهقنا وتتعبنا هي متشابكة ومتداخلة كخيوط العنكبوت ونسيجه لكن مع توحيد الله عزّ وجل فهو هيّن ويسير على المؤمن. وقد قال الكاتب الإسلامي عادل خليل:
فإذا استعان العبد بالله، أصبحت كلّ هذه الفتن واهية، كبيت العنكبوت تماما
توحيد الله عز وجل هو المنجاة في الدنيا والآخرة، وفيه من حلاوة المذاق ما لا يوصف، ولا يستقيم القلب إلّا به. أن تجعل همّك ومبتغاك ومرادك هو الله تعالى لا غيره. كل صغيرة وكبيرة في حياتك خالصة لله، لا ترى إلّا الله ولا تخشى إلّا الله. ولا تدعو إلّا الله ولا ترجو إلّا من الله. والإخلاص عزيز وليس سهل المنال ويتطلب سعي وجديّة في طلبه.
(قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الأنعام]
5. تقوية العقل والجسد بذكر الله والصّلاة:
(ٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ وَلَذِكۡرُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَصۡنَعُونَ)
كما ذكرت لك فإنّ جهاز الضغط النّفسي بشكل عام يستهلك طاقة جمّة لكي يبقى قيد العمل والتشغيل، وفي حالة المجاهدة يحتاج المرء من القوت والطاقة ما يمكنّه من الاستمرار في السّعي والمثابرة والمصابرة، وكثير مننّا بل أغلبنا لا يعي الأثر العقلي والجسدي الحقيقي والبالغ في التقوية والنشاط، ومن جرّب ذلك سيرى بأمّ عينه. الصلاة وبالذات قيام الليل ودوام ذكر الله لهما قدرة عجيبة في بعث الحيوية والنشاط العقلي والجسدي
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد ويضرب مكان كل عقدة عليك ليلا طويلا فارقد فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة فإن توضأ انحلت عقدة فإن صلى انحلت عقدة فأصبح نشيطا طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان”
ويحكي ابن القيّم رحمه الله عن شيخ الإسلام ابن تيمية أنّه ذات مرّة سأله عن جلوسه للذكر من بعد الفجر إلى أن يتعالى النّهار بردّ عليه شيخ الإسلام:
هذه غدوتي، لو لم أقعدها سقطت قواي
بضاعة مزجاة
هذه هي بضاعتنا البسيطة لهذا اليوم، أخذنا نفحة يد قليلة من كنوز سورة العنكبوت تجنبّاً من إطالة المقال. ونختم بخاتمة سورة العنكبوت.
جاهدوا معنا وشاركونا آراءكم وأفكاركم، فالمدونة تقوم على مشاركة الجميع.
هل تنصحون بإطالة المقالات أم تقصيرها؟
(وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ)




جزاك ربي كل خير ❤️
بالنسبة لسؤالك عن طول المقال، فهو مناسب جداً في رأيي. ولكن إذا تكرمت، هل يمكن إضافة المراجع في نهاية المقال؟
اللهم بارك. ما هذا الجمال. قدت تعلمنا العام الماضي عن ان الفكر و العقيدة هم اكبر محرك للإنسان، و رأينا من كتائبنا صبرا لا يحمل عليه غير الصدق مع الله و العمل لمرضاته.