لهذا السبب رمضان هو أفضل وقت لتطوير النفس
ما هو مشروع الانسان الحقيقي؟ كيف يكون تطوير النفس؟ وهل له المصدر موثوق؟ وما علاقة رمضان بذلك؟
مشروع الانسان الأعظم
ما يثير الاهتمام حقّا ويعجب منه المرء، أنّ شهر رمضان المبارك يوافق نهوض الشخص نحو تزكية نفسه فتبدأ لديه رغبة حقيقية في تطوير ذاته، فهنالك من يريد أن يطور من مهاراته الشخصية، وهنالك من يريد أن يطوّر من جانبه الأكاديمي، وهنالك من يريد أن يكتسب قوة عضلية أو يفقد بعضا من الوزن، وهناك من هو كالأنعام بل أضل، يأكل ويشرب وينام، ويتابع المسلسلات ويقفز من الكنبة إلى الأخرى كالكنغر ويحتاج من يوقظه من هذه الغفلة. سبحان الله، ما بال الناس مع هذا الشهر؟ ما هو سرّ أن تنشط النفس تحديدا في ذلك الوقت؟ (دعك من الكنغر)، قد تسألني، لماذا أكتب مقالا كاملاً متسائلاً هذا السؤال؟ “ ما تخلّي الناس في حالها هو الكنغر ضايقك في حاجة؟”
لكن دعني أوّضح ليك يا أخي القارئ أمراً في غاية الأهمية وأريده أن يرنّ في عقلك؛ وهو أنّ شهر رمضان يبثّ الانسان على تحريكه نحوه أعظم مشروع له في هذه الدنيا هو تزكية نفسه، فالطبع أريد من نفسي وأريدك أن نتعلم كيف ننشئ هذا المشروع ونستغل بركة رمضان في تطوير أنفسنا، وكما قال أحد العلماء الراسخين عندما سئل عن التزكية:
"حياة الدنيا معترك لهذا الأمر العظيم، والناس في هذه الدنيا من بين مفلح وخاسر"
وأمر آخر أريده أن يرّن في عقلك هو أنّ النفوس في هذه الدنيا نفسان، نفس شريفة ونفس دنيئة، فالأولى همّها المطالب العلية، والمنازل الرفيعة، والأعمال الفاضلة والأخيرة تحوم حول الدناءات وحقير الأشياء وخسيسها. وأنا هنا في هذا المقال لدي دعوة خاصّة لكم جميعا، لمن أراد شرف النفس والعلو عن الدناءة؛ ماذا لو أخبرتكم أنّ لدي ما يجمع كل ما تريدونه، من رغبة في التطور، وطمع في التحسّن، ولوْعة للترّقي، ونور للتيّقّظ أصدّقتُموني؟ هو أمر واحد فقط، وهو منبع تزكية النفس، وموردها العذب ومعينها المبارك. لكن قبل ذلك دعنا نستعرض ماهية تزكية النفس لكي نعلم ما الذي يجب علينا أن نغترفه ونناله عندما نغوص في ذلك المنبع. فهل من المنطقي أن أقول لك أذهب واجلب لي المولكوكن وأنت لا تعلم ما هو المولكوكن؟ يجب أن أبيّنه لك أولا، لكي تميّزه وتناله. (ملاحظة: لا يوجد شيء اسمه مولكوكن على حدّ علمي، فقط مثال لتقريب الفكرة)
قد أفلح من زكّاها، وقد خاب من دسّاها
التزكية مأخوذة من الفعل زكا، وهو الطُّهْر والزيادة والنمو ويكون هنالك جريانٌ لذلك كلّه في آن واحد وفي نهر واحد ومصبّه واحد وهو نسخة جديدة وبهية وحسنة من الشّخص. والتزكية قد يكون مسار تتخلّله معالجات صعبة، وعواقب عصيّة ولكنّه مع الاستمرارية فهو جميل ورفيع للغاية ولا تسلكه إلّا النفوس الشريفة. وتأباه النفوس الكسولة والخمولة.
وضد التزكية التدسية، وهو مصدر مأخوذ من الفعل دسى، وهو إخفاء الشيء لؤماً ومخافة، ويأتي أيضا بمعنى إفساد الشيء، فعندما يقال "دسّا تدسية" فمعناه أغواه وأفسده. فالذي يلجأ لتدسية نفسه واهمالها وعدم الاكتراث في تطوريها وتطهريها فهذا شخص يعتريه الجبن والخوف، ويصبغه اللؤم والانهزامية.
وهذا أمرعظيم للغاية، مهم جدّا. تخيل معي رئيس قسم في جامعتك يأتي إليك ويقول لك يا فلان! والله والله والله والله والله والله والله والله والله والله والله إذا درست هذه الكتاب ستنجح في الامتحان وإذا أهملته ستسقط! أجزم أنّك ستلصق ذلك الكتاب في جبهتك.
فما بالك بربّ العالمين وهو له المثل الأعلى وقد أقسم في تزكية النفس أطول قسم في القرآن كلّه؛ أقسم عز وجل في سورة الشمس أحد عشر مرّة وكان جواب القسم: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا).
سؤال وجواب
الآن في هذه اللحظة، إذا كنت شخصا فطِناً فستسأل نفسك: كيف أزكّي نفسي كما أمرني الله عز وجل؟ كيف أتطور وأنمو ,اصبح وأبهى وأحسن من نفسي الحالية؟ قبل أن أجيبك هناك أمر ثالث أريده أن يرنّ في عقلك وهو أنّ الأمرّ كله لله، والتزكية لله وحده، وهو من يزكّي وهو من يصطفي، وهو من يؤتي النفس حسنها وبهاءها. ولكن نحن نقوم بأمر السعي ونتزكّى من مبدأ الاكتساب، فنحن نكتسب التزكية من الله عز وجل عندما نفعل أمورا معيّنة، وأصلها هو ذلك المنبع الذي وعدتك به. والآن بعد أن وضعت لك هذا الجرس دعني أجِب لك.
التزكية والإحسان
كي نتصور التزكية بشكل عملي ونستطيع أن نستغل ذلك المنبع الذي دعوتكم إيّاه فاسمع تبيين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حقيقة التزكية وجوهرها وأصلها حقّ البيان، وبأبلغ الكلمات وبأحسن الأوصاف، وهذا التبيين يجب عل كلّ عبد أن يفهمه جيّدا ويعلم أنّ تطوير الذات ليس في كتب التنمية البشرية، وأصله ليس في كتب علم النفس بل هي فروع، قد يستغني العبد عنها، ناهيك عمّا فيها من نواقص.
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن التزكية: " أن يعلم أنّ الله عزّ وجلّ معه حيث كان"
فغاية التزكية والمراد منها هو وصول درجة الإحسان وتخليص النفس لله عز وجل. فتصبح حركاتها وسكناتها وأفكارها وهمساتها وخواطرها، وشغفها وشوقها، وحزنها وشكواها، وجهادها وسعيها، وإقبالها وإدبارها كله خالص لله الحق عز وجل. هذه هي التزكية. ومن أحسنَ أحسنَ لنفسه، فلا تغرّك الفكرة الشيطانية أنّ اخلاص الجهد في ارضاء رب العالمين يقود إلى صرفه عن تطوير النفس في شتى نواحيها الدنيوية والاجتماعية ونحو ذلك ، بل في الحقيقة لا سبيل نافع لتطوريها إلا من باب ارضاء رب العالمين. فوجب أن يكون هذا الشغل الشاغل. ودعني أضرب لك مثالا اجتماعياً أثبت لك فيه ذلك، وهو قول ابن القيّم:
ورد في كتاب مدراج السالكين لابن القيم: "جرت سنّة الله ــ التي لا تبديلَ لها ــ أنّ من آثرَ مرضاةَ الخلق على مرضاته - الله عز وجل -: أن يَسخَطَ عليه مَن آثرَ رضاه، ويَخْذُلَه مِن جهته، ويجعلَ محنتَه على يديه، فيعودَ حامدُه ذامًّا. ومن آثرَ مرضاتَه ساخطًا، فلا على مقصوده منهم حصلَ، ولا إلى ثوابِ مرضاةِ ربِّه وصلَ. وهذا أعجزُ الخلق وأحمقُهم."
يعني من أرضى الله رضي عنه العباد ومن أسخط الله سخط عليه العباد وجعلهم سببا في زيادة التعاسة في حياته.
المنبع المبارك
(كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ).
قال ابن عباس رضي الله عنه : تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ، أن لا يضل في الدنيا ، ولا يشقى في الآخرة ثم قرأ (فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى)
كتاب الله هوالمنبع الهدى والمنارة نحو زكاة النفس، وهذا القرآن العظيم مصاحبته تعني المباركة في كلّ شيء وأول المباركة هو في مشروع الانسان الأعظم فالقرآن كلام الله عزّ وجل. أريد أن تجعل نفسك ورد يوم خمس دقائق تتقكر أن القرآ ن هو كلام رب السماوات والأرض، ومن وفّق في التوجه نحو الوحي من كتاب الله عز وجل وسنة نبيه، وانشغل بالقرآن تلاوة وعلما وفهما وتدبرا وعملا فقد ظفر ونال تزكية النفس بحق، لأنّه أخذها من منبعها الأصلي.
اجعل تأسيس نفسك من المصدر
(أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)
أخذ الشيء من أصله ومصدره الأول لا يشبه ولا يماثل أبدا أخذه من أمر متفرّع، الذي قد يشوبه ما يشوبه من النقصان والتغيير والتعديل والزيادة الباطلة والأجندة الخفية. لذلك لا أرى من وجه الصواب أنّ الصبي اليافع الذي ما زالت نفسه تائهة وصغيرة ولم تصقل وتنضج أن يؤسس بنيانه بأشياء فرعيه في تزكية نفسه ككتب التنمية البشريه والعلوم الانسانية، التي لا أنكر أنّ بها بعض الفضل، ولكنّه فضل صغير، وفيه قدر قليل من الهداية الحق، زائدا على أنّه منتوج بشري وبالذات الغربي منها فإنّه قائم على الاستغناء عن الربّ تبارك وتعالى، وتركه وراءهم وحذفه من الصورة سبحانه وتعالى علوا كبيرا، فمن الطبيعي أن يصير هنالك إعوجاج وزيادة ونقصان يبعد عن الحق. فالحقّ هو أن يتجه المرة تلقاء كتاب الله عز وجل فيكون بنيانه راسخا، ثابتا، قويا، صامدا، ومباركا، فهو المنبع، وهو النور وهو من رب العالمين فاطر السماوات الأرض جميعا. وبارئ النفس وخالقها من العدم. فاللجوء إلى الأصل أفضل، وأنفع، وهو الحق الأصيل الراسخ الذي لا يزول ولا يتغير ولا يأتيه الباطل أبدا، من رب العالمين العليم الحكيم.
من تلاوة إلى إيمان وعمل
بما أنّ التزكية هو أمر فيه نمو وتطور وتطهّر فهذا يدل على أنّه يجب أن يرافقه إيمان وعمل، فهو شيء حركي وتفاعلي ومستمر، وهكذا هي علاقتك مع القرآن تكون تفاعلية ومستمرة، فكيفية جعل القرآن تزكية لنفسك تبدأ من التلاوة ثم المعاهدة ثم التدبّر ثم أخيراً إيمان في القلب وعمل بالجوارح.
والتدبّر فيه من الدهشة مافيه! متعة لا توصف ولذّة لا تتصور. والحديث عنه لا يسع إلّا في مقال منفصل. ولكنّه هو باختصار التمعن في الآيات وعصر العقل في فهم معاني الآيات وما تحويه من أسرار، وإسقاط الآيات في حياتك، وخلق علاقة قوية ومصاحبة للقرآن إلى يوم المحشر، فابدأ من طرف الخيط وعظّم القرآن في قلبك وابدأ بالورد اليومي من القراءة.
تعاني من تعظيم القرآن في قلبك؟
إليك هذه الوصفة المزجاة لعلاج هذا الأمر:
الدعاء والاستعانة بالله عز وجل (وما توفيقي إلّا بالله عليه توكلت وإليه أنيب)
إخلاص القلب لله عز وجل والرغبة إليه (إنّا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين)
ذكر الدار الآخرة (جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا)
تسخير الوقت وخلق العادة.
الاستقامة بفعل الأوامر وترك النواهي والتوبة النصوح (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك)
كثرة الاستماع للقرآن الكريم من شيخ تحبه (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلّكم ترحمون)
والحمدلله ربّ العالمين.
ما رأيك في المقال؟ أكان طويلا، قصيرا، صعبا، سهلا؟ ما نظرتك للتزكية؟ شاركنا الرأي ولا تكن شجرة، أو مولكوكن.




المقال عميق وثري بالمعلومات القيّمة، فسبحان الذي يسّر لي قراءته في وقت كنت أفكر فيه في خطوات عملية لتزكية نفسي ،، وأكثر ما لامسني فيه هو تسليطه الضوء على ضرورة الأخذ بالكتاب والسنة، أي العودة إلى المصدر الأول االذي لا يشوبه نقص أو تحريف والاكتفاء به، والاستغناء والحذر من المنتوجات البشرية، خصوصاً الغربية، لما فيها من النقص والاستغناء عن الشرع.
، الحمدلله ترسخت لديّ هذه الفكرة أكثر، وأصبحت أكثر يقينًا بضرورة الاكتفاء بما ورد في القرآن والاجتهاد في تدبر معانيه أسأل الله أن يوفقنا ويصلح حالنا.
شكراً جداً وجزاك الله خيرًا وزادك فضلاً وعلماً وعملاً 🙏🏽
مقال رائع وتوقيت ممتاز
..
مهمة صعبة استرداد البوصلة في زمن اضطراب المعايير هذا...
شكرٱ جداً، وأحيي هذا الجهد البيِّن لتوصيل المعلومة بسلاسة ومع الأدلة وبأسلوب شيق لا يسعك معه أن تلاحظ طول المقال ..
جعلنا اللّه وإياكم من أهل القرٱن الكريم